فصل: تفسير الآيات (168- 171):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتخب في تفسير القرآن



.تفسير الآيات (145- 148):

{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)}
145- وبينا لموسى في ألواح التوراة كل شيء من المواعظ والأحكام المفضلة التي يحتاج الناس إليها في المعاش والمعاد، وقلنا له: خذ الألواح بجد وحزم، وأمر قومك أن يأخذوا بأفضل ما فيها، كالعفو بدل القصاص، والإبراء بدل الانتظار، واليسر بدل العسر. سأريكم يا قوم موسى في أسفاركم دار الخارجين على أوامر اللَّه، وما صارت إليه من الخراب لتعتبروا، فلا تخالفوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم.
146- سأمنع من التفكير في دلائل قدرتى القائمة في الأنفس والأفاق، أولئك الذين يتطاولون في الأرض ويتكبرون عن قبول الصواب غير محقين، وإن يروا كل آية تدل على صدق رسلنا لا يصدقوها، وإن يشاهدوا طريق الهدى لا يسلكوه، وإن يشاهدوا طريق الضلال يسلكوه. يحدث ذلك منهم بسبب أنهم كذبوا بآياتنا المنزلة، وغفلوا عن الاهتداء بها.
147- والذين كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا للهداية، وكذبوا بلقائنا يوم القيامة، فأنكروا البعث والجزاء، بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون نفعها فلا يلقون إلا جزاء ما استمروا على عمله من الكفر والمعاصى.
148- وبعد أن ذهب موسى إلى الجبل لمناجاة ربه، اتخذ قومه من حليهم المخصصة للزينة جسما على صورة العجل الذي لا يعقل ولا يميز، له صوت يشبه صوت البقر، مما أودع فيه من الصناعة ومرور الريح بداخله.. وقد صنعه لهم السامرى وأمرهم بعبادته. يا لسفاهة عقولهم. ألم يروا حين أتخذوه إلها وعبدوه أنه لا يكلمهم ولا يقدر على هدايتهم إلى طريق الصواب؟! إنهم ظلموا أنفسهم بهذا العمل الشنيع.

.تفسير الآيات (149- 153):

{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)}
149- ولما شعروا بزلتهم وخطئهم، تحيروا وندموا أشد الندم على اتخاذ العجل إلها. وتبينوا ضلالهم تبيناً ظاهراً، وقالوا: واللَّه لئن لم يتب علينا ربنا ويتجاوز عنا لنكونن من الذين خسروا خسراناً مبينا، بوضعهم العبادة في غير موضعها.
150- ولما رجع موسى من مناجاة ربه إلى قومه، غضبان عليهم لعبادتهم العجل، حزينا لأن اللَّه فتنهم- وكان اللَّه قد اخبره بذلك قبل رجوعه- فقال لهم: ما أقبح ما فعلتم بعد غيبتى، أسَبَقْتم بعبادة العجل ما أمركم به ربكم من انتظارى وحفظ عهدى حتى آتيكم بالتوراة؟! ووضع الألواح، واتجه إلى أخيه لشدة حزنه حين رأى ما رأى من قومه، وأخذ يشد أخاه من رأسه ويجره نحوه من شدة الغضب، ظنا منه أنه قصر في كفَّهم عما فعلوا، فقال هارون لموسى. يا ابن أمى إن القوم حين فعلوا ما فعلوا قد استضعفونى وقهرونى، وقاربوا قتلى لما نهيتهم عن عبادة العجل، فلا تَسُر الأعداء بإيذائك لى، ولا تعتقدنى واحدا من الظالمين مع براءتى منهم ومن ظلمهم.
151- قال موسى: رب اغفر لى ما صنعت بأخى قبل جلية الأمر، واغفر لأخى إن كان فَرّط في حسن الخلافة، وأدخلنا في سعة رحمتك لأنك أكثر الراحمين رحمة.
152- إن الذين استمروا على اتخاذ العجل إلها، كالسامرى وأشياعه، سينالهم غضب عظيم من ربهم في الدار الآخرة، ومهانة شديدة في الحياة الدنيا، بمثل ذلك الجزاء نجزى كل من اختلق الكذب على اللَّه وعبد غيره.
153- والذين عملوا الأعمال القبيحة من الكفر وعبادة العجل والمعاصى، ثم رجعوا إلى اللَّه من بعد عملها، وصدقوا به، إن ربك من بعد توبتهم ستَّار عليهم، غفَّار لما كان منهم.

.تفسير الآيات (154- 156):

{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)}
154- ولما ذهب عن موسى الغضب باعتذار أخيه، عاد إلى الألواح التي ألقاها وأخذها، وفيما نُسِخَ فيها هدى وإرشاد وأسباب رحمة، للذين يخافون غضب ربهم.
155- ثم أمر اللَّه موسى أن يأتيه في جماعة من قومه يعتذرون عَمَّن عبدوا العجل، ووعدهم موْعدا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل، وهم يمثلون قومه، وذهب بهم إلى الطور، وهنالك سألوا اللَّه أن يكشف عنهم البلاء، ويتوب على من عبد العجل منهم، فأخذتهم في ذلك المكان زلزلة شديدة غشى عليهم بسببها، وهذا لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهوهم عن المنكر، فلما رأى موسى ذلك قال: يا رب لو شئت إهلاكهم أهلكتهم من قبل خروجهم إلى الميقات، وأهلكتنى معهم، ليرى ذلك بنو إسرائيل فلا يتهمونى بقتلهم فلا تهلكنا يا رب بما فعل الجُهَّال منا، فما محنة عبدة العجل إلا فتنة منك، أضللت بها من شئت إضلاله ممن سلكوا سبيل الشر، وهديت بها من شئت هدايته. وأنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا.
156- ولأنك يا رب خير من يغفر نسألك أن تقدّر لنا في هذه الدنيا حياة طيبة، وتوفيقا للطاعة، وفى الآخرة مثوبة حسنة ورحمة، لأننا رجعنا إليك وتبنا إليك، فقال له ربه: عذابى أصيب به من أشاء ممن لم يتب، ورحمتى وسعت كل شيء، وسأكتبها للذين يتقون الكفر والمعاصى من قومك، ويؤدون الزكاة المفروضة، والذين يصدقون بجميع الكتب المنزلة.

.تفسير الآيات (157- 159):

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)}
157- وأخص بها الذين يتبعون الرسول محمدا، الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو الذي يجدون وصفه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بكل خير وينهاهم عن كل شر، ويحل لهم الأشياء التي يستطيبها الطبع، ويُحرم عليهم الأشياء التي يستخبثها الطبع كالدم والميتة، ويزيل عنهم الأثقال والشدائد التي كانت عليهم. فالذين صدقوا برسالته وآزروه وأيدوه ونصروه على أعدائه، واتبعوا القرآن الذي أنزل معه كالنور الهادى، أولئك هم الفائزون دون غيرهم ممن لم يؤمنوا به.
158- قل- يأيها النبى- للناس: إني مرسل من اللَّه إليكم جميعا، لا فرق بين عربى وعجمى وأسود وأبيض واللَّه الذي أرسلنى له- وحده- ملك السموات والأرض يدبر أمرهما حسب حكمته، ويتصرف فيهما كيف يشاء، ولا معبود بحق إلا هو، وهو الذي يقدر على الإحياء والإماتة دون غيره، فآمنوا به وبرسوله النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو يؤمن باللَّه الذي يدعوكم إلى الإيمان، ويؤمن بكتبه المنزلة، واتبعوه في كل ما يفعل ويقول لتهتدوا وترشدوا.
159- ومن قوم موسى جماعة بقوا على الدين الصحيح يهدون الناس بالحق الذي جاء به موسى من عند ربه، ويعدلون في تنفيذه إذا حكموا.

.تفسير الآيات (160- 162):

{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)}
160- عدَّد اللَّه نعمه على قوم موسى، فأفاد أنه صيَّرهم اثنتى عشرة فرقة وجعلهم جماعات، وميَّز كل جماعة بنظامها، منعا للتحاسد والخلاف، وأوحى إلى موسى حين طلب منه قومه الماء في التيه، بأن يضرب الحجر بعصاه، فضربه فانفجرت اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط، وقد عرف كل جماعة منهم مكان شربهم الخاص بهم، فلا يزاحمهم فيه غيرهم، وجعل لهم السحاب يلقى عليهم ظله في التيه، ليقيهم حر الشمس، وأنزل عليهم المن، وهو طعام يشبه البرد في منظره، ويشبه الشهد في مطعمه، وأنزل السلوى، وهو الطير السمانى، وقال لهم: كلوا من مستلذات ما رزقناكم مما أنزلناه عليكم. فظلموا أنفسهم وكفروا بتلك النعم، وطلبوا غيرها، وما رجع إلينا ضرر ظلمهم ولكنه كان مقصورا عليهم.
161- واذكر- يأيها النبى- لمن وجد منهم في زمانك، تقريعا لهم بما فعل أسلافهم، اذكر لهم قولنا لأسلافهم على لسان موسى: اسكنوا مدينة بيت المقدس بعد الخروج من التيه، وكلوا من خيراتها في أية ناحية من نواحيها شئتم، وقولوا نسألك يا ربنا أن تحط عنا خطايانا، وادخلوا باب القرية مع انحناء الرءوس كهيئة الركوع تواضعا للَّه. إذا فعلتم ذلك تجاوزنا عن ذنوبكم، وسنزيد ثواب من أحسنوا الأعمال.
162- فخالفوا أمر ربهم، فقالوا بسبب ظلمهم قولا غير الذي قيل لهم قصد الاستهزاء بموسى، فأنزلنا عليهم عذابا من السماء بسبب استمرارهم على الظلم وتجاوز الحد.

.تفسير الآيات (163- 167):

{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)}
163- واسأل اليهود- استنكارَا لما فعل أسلافهم- عن خبر أهل قرية- أيلة- التي كانت قريبة من البحر، حين كانوا يتجاوزون حدود الله بصيد السمك في يوم السبت، وحين كانت تأتيهم حيتان الأسماك وتظهر على وجه الماء يوم السبت، وفى غيره لا تأتيهم، ابتلاء من اللَّه. بمثل ذلك البلاء المذكور نبلوهم بلاء آخر بسبب فسقهم المستمر ليظهر منهم المحسن من المسئ.
164- واذكر أيضا لهؤلاء اليهود إذ قالت جماعة من صلحاء أسلافهم- لم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم- لمن يعظون أولئك الأشرار: لأى سبب تنصحون قوما اللَّه مهلكهم بسبب ما يرتكبون أو معذبهم في الآخرة عذابا شديدا؟! قالوا: وعظناهم اعتذاراً إلى ربكم، لئلا ننسب إلى التقصير، ورجاء أن يتقوا.
165- فلما تركوا ما وعظوا به، أنجينا الذين ينهون عن العمل السئ من العذاب، وأخذنا الذين ظلموا فاعتدوا وخالفوا بعذاب شديد، هو البؤس والشقاء. بسبب استمرارهم على الخروج عن طاعة اللَّه ربهم.
166- فلما قسوا واستمروا على ترك ما نهوا عنه، ولم يردعهم العذاب الشديد، جعلناهم كالقردة في مسخ قلوبهم وعدم توفيقهم لفهم الحق، مبعدين عن كل خير.
167- واذكر أيضا لهؤلاء اليهود حين أعلم ربك أسلافهم على ألسنة أنبيائهم: ليسلِّطنَّ اللَّه على جماعة اليهود إلى يوم القيامة من يوقع بهم أسوأ أنواع العذاب على ظلمهم وفسقهم، لأن ربك سريع العقاب لأهل الكفر، لأن عقابه واقع لا محالة، وكل آت قريب،، إنه غفور رحيم لمن رجع إليه وتاب.

.تفسير الآيات (168- 171):

{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}
168- وقد فرقناهم في الأرض جماعات: منهم الصالحون، وهم الذين آمنوا واستقاموا، ومنهم أناس منحطون عن وصف الصلاح، وقد اختبرناهم جميعا بالنعم والنقم ليتوبوا عما نهوا عنه.
169- فجاء من بعد الذين ذكرناهم وقسمناهم إلى القسمين، خلف سُوءٍ ورثوا التوراة عن أسلافهم ولكنهم لم يعملوا بها، لأنهم يأخذون متاع الدنيا عوضا عن قول الحق، ويقولون في أنفسهم: سيغفر اللَّه لنا ما فعلناه. يرجون المغفرة. والحال أنهم إن يأتهم شيء مثل ما أخذوه يأخذوه. فهم مصرون على الذنب مع طلب المفغرة، ثم وبخهم الله على طلبهم المغفرة مع إصرارهم على ما هم عليه، فقال: إنا أخذنا عليهم العهد في التوراة، وقد درسوا ما فيها، أن يقولوا الحق، فقالوا الباطل، وإن نعيم الدار الآخرة للذين يتقون المعاصى خير من متاع الدنيا. أتستمرون على عصيانكم فلا تعقلون أن ذلك النعيم خير لكم، وتؤثرون عليه متاع الدنيا؟
170- والذين يتمسكون بالتوراة، وأقاموا الصلاة المفروضة عليهم، إنا لا نضيع أجرهم، لإصلاحهم وإحسانهم الأعمال.
171- رد اللَّه على اليهود في قولهم: إن بني إسرائيل لم تصدر منهم مخالفة في الحق، فقال: واذكر لهم- أيها النبى- حين رفعنا الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل كأنه غمامة، وفزعوا لظنهم أنه واقع عليهم، وقلنا لهم- في حالة الرفع ورهبتهم- خذوا ما أعطيناكم من هدى في التوراة بجد وعزم على الطاعة، وتذكروا ما فيه لعلكم تعتبرون وتتهذب نفوسكم بالتقوى.